فصل: حكم السّبّ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الفقهية الكويتية ****


سباق

التّعريف

1 - السّباق لغةً‏:‏ مصدر سابق إلى الشّيء سبقه وسباقاً، أسرع إليه‏.‏

والسّبق‏:‏ التّقدّم في الجري، وفي كلّ شيء، تقول‏:‏ له في كلّ أمر سبقة، وسابقة،وسبق‏.‏ وله سابقة في هذا الأمر‏:‏ إذا سبق النّاس إليه‏.‏ يقال‏:‏ تسابقوا إلى كذا واستبقوا إليه‏.‏ والسَّبَق - بالتّحريك -‏:‏ ما يتراهن عليه المتسابقون في الخيل والإبل وفي النّضال فمن سبق أخذه‏.‏ ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن معناه في اللّغة‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الرّهان‏:‏

2 - قال في المصباح‏:‏ راهنت فلاناً على كذا رهاناً - من باب قاتل - وتراهن القوم‏:‏ أخرج كلّ واحد رهناً ليفوز السّابق بالجميع إذا غلب والرّهان‏:‏ المخاطرة، والمسابقة على الخيل‏.‏

ب - القمار‏:‏

3 - القمار مصدر قامر الرّجل مقامرةً وقماراً، إذا لاعبه لعباً فيه رهان، وهو التّقامر‏.‏ وتقامروا‏:‏ لعبوا القمار‏.‏ وقمرت الرّجل أقمره قمراً‏:‏ إذا لاعبته فيه فغلبته‏.‏

ج - الميسر‏:‏

4 - الميسر كلّ شيء فيه قمار حتّى لعب الصّبيان بالجوز‏.‏

حكم السّباق

5 - السّباق جائز بالسّنّة والإجماع‏.‏

أمّا السّنّة‏:‏ فروى ابن عمر رضي الله عنهما «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل المضمرة من الحفياء إلى ثنيّة الوداع، وبين الّتي لم تضمر من ثنيّة الوداع إلى مسجد بني زريق»‏.‏

قال موسى بن عقبة‏:‏ من الحفياء إلى ثنيّة الوداع ستّة أميال أو سبعة أميال‏.‏

وقال سفيان‏:‏ من الثّنيّة إلى مسجد بني زريق ميل أو نحوه‏.‏

وأمّا الإجماع‏:‏ فقد أجمع المسلمون على جواز المسابقة في الجملة‏.‏

والمسابقة سنّة إن كانت بقصد التّأهّب للقتال بالإجماع، ولقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ‏}‏ الآية‏.‏ «وفسّر النّبيّ صلى الله عليه وسلم القوّة بالرّمي»‏.‏ ولخبر البخاريّ‏:‏ «خرج النّبيّ صلى الله عليه وسلم على قوم من أسلم ينتضلون، فقال‏:‏ ارموا بني إسماعيل فإنّ أباكم كان رامياً»‏.‏

ولخبر أنس‏:‏ «كانت ناقة لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم تسمّى العضباء لا تسبق، فجاء أعرابيّ على قعود له فسبقها، فاشتدّ ذلك على المسلمين وقالوا‏:‏ سبقت العضباء، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنّ حقّاً على اللّه أن لا يرفع شيئاً من الدّنيا إلاّ وضعه»‏.‏

قال الزّركشيّ‏:‏ وينبغي أن تكون المسابقة والمناضلة فرض كفاية، لأنّهما من وسائل الجهاد وما لا يتوصّل إلى الواجب إلاّ به فهو واجب، والأمر بالمسابقة يقتضيه‏.‏

والمسابقة بالسّهام آكد لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ارموا واركبوا لأن ترموا خير لكم من أن تركبوا»‏.‏

والمعنى فيه أنّ السّهم ينفع في السّعة والضّيق كمواضع الحصار بخلاف الفرس، فإنّه لا ينفع في الضّيق بل قد يضرّ‏.‏

قال النّوويّ في الرّوضة‏:‏ ويكره لمن علم الرّمي تركه كراهةً شديدةً لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من علم الرّمي ثمّ تركه فليس منّا، أو قد عصى»‏.‏

أمّا إذا قصد في المسابقة غير الجهاد فالمسابقة حينئذ مباحة‏.‏

قال الأذرعيّ‏:‏ فإن قصد بالمسابقة محرّماً كقطع الطّريق حرمت‏.‏

أنواع المسابقة

المسابقة نوعان‏:‏ مسابقة بغير عوض، ومسابقة بعوض‏.‏

أ - المسابقة بغير عوض‏:‏

6 - الأصل أنّه تجوز المسابقة بغير عوض كالمسابقة على الأقدام وبالسّفن والطّيور والبغال والحمير والفيلة والمزاريق، ويستثنى من هذا الأصل بعض الصّور يأتي بيانها قريباً‏.‏ وتجوز المصارعة ورفع الحجر ليعرف الأشدّ وغير ذلك، لأنّ «النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان في سفر مع عائشة فسابقته على رجلها فسبقته‏.‏ قالت‏:‏ فلمّا حملت اللّحم سابقته فسبقني، فقال‏:‏ هذه بتلك»‏.‏

«و سابق سلمة بن الأكوع رجلاً من الأنصار بين يدي النّبيّ صلى الله عليه وسلم في يوم ذي قرد»‏.‏ «و صارع النّبيّ صلى الله عليه وسلم ركانة فصرعه»‏.‏

«ومرّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بقوم يربعون حجراً يعني يرفعونه ليعرفوا الأشدّ منهم فلم ينكر عليهم»، وسائر المسابقة يقاس على هذا‏.‏ هذا مذهب الجمهور‏.‏

7- وذهب الحنفيّة إلى أنّ شرط جواز السّباق أن يكون في الأنواع الأربعة‏:‏ الحافر، والخفّ، والنّصل، والقدم لا في غيرها‏.‏

لما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنّه قال‏:‏ «لا سبق إلاّ في نصل أو خفّ أو حافر»‏.‏

إلاّ أنّه زيد عليه السّبق في القدم، لحديث عائشة رضي الله عنها، ففيما وراءه بقي على أصل النّفي، قال الحنفيّة‏:‏ ولأنّه لعب، واللّعب حرام في الأصل‏.‏ إلاّ أنّ اللّعب بهذه الأشياء صار مستثنىً من التّحريم شرعاً، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «كلّ ما يلهو به الرّجل المسلم باطل إلاّ رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، فإنّهنّ من الحقّ»‏.‏

حرّم عليه الصلاة والسلام كلّ لعب واستثنى الملاعبة بهذه الأشياء المخصوصة، فبقيت الملاعبة بما وراءها على أصل التّحريم، إذ الاستثناء تكلّم بالباقي بعد الثّنيا، وكذا المسابقة بالخفّ صارت مستثناةً من الحديث‏.‏

ب - المسابقة بعوض‏:‏

8 - لا خلاف بين الفقهاء في أصل جواز المسابقة بعوض، إلاّ أنّهم اختلفوا فيما تجوز فيه المسابقة‏.‏

فذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه لا يجوز السّباق بعوض إلاّ في النّصل والخفّ والحافر، وبهذا قال الزّهريّ‏.‏ قال في المغني‏:‏ المراد بالنّصل هنا‏:‏ السّهم ذو النّصل، وبالحافر‏:‏ الفرس، وبالخفّ‏:‏ البعير‏.‏ عبّر عن كلّ واحد منها بجزء منه يختصّ به‏.‏

وذهب الحنفيّة إلى أنّ السّباق يكون في الأنواع الأربعة‏:‏ الحافر، والخفّ، والنّصل، والقدم، لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ «لا سبق إلاّ في نصل، أو خفّ، أو حافر»، إلاّ أنّه زيد عليه السّبق في القدم بحديث عائشة رضي الله عنها‏.‏

9- وقد توسّع الشّافعيّة في جواز المسابقة على عوض فألحقوا بالسّهام المزاريق ‏"‏ الرّماح الصّغيرة ‏"‏ والرّماح والرّمي بالأحجار بمقلاع أو يد، والرّمي بالمنجنيق، وكلّ نافع في الحرب كالرّمي بالمسلّات والإبر والتّردّد بالسّيوف والرّماح‏.‏

هذا هو المذهّب‏.‏ قال البلقينيّ‏:‏ والّذي يظهر امتناع ذلك في الإبرة، وجوازه في المسلّة إذا كان يحصل برميها النّكاية الحاصلة من السّهم‏.‏

ومقابل المذهب‏:‏ عدم الصّحّة فيما ذكر، لأنّه ليس من آلة الحرب‏.‏

واستثنى الشّافعيّة من جواز رمي الأحجار المداحاة، بأن يرمي كلّ واحد منهما الحجر إلى صاحبه، فالمسابقة باطلة قطعاً، وإشالة الحجر باليد، ويسمّى العلاج، والأكثرون على عدم جواز العقد عليه‏.‏

وأمّا النّقاف‏:‏ فلا نقل فيه‏.‏ قال الأذرعيّ‏:‏ والأشبه جوازه، لأنّه ينفع في حال المسابقة، وقد يمنع خشية الضّرر، إذ كلّ يحرص على إصابة صاحبه، كالملاكمة‏.‏

قال الشّافعيّة‏:‏ ولا تصحّ المسابقة بعوض على كرة الصّولجان، ولا على البندق يرمي به إلى حفرة ونحوها، ولا على السّباحة في الماء، ولا على الشّطرنج، ولا على الخاتم، ولا على الوقوف على رجل، ولا على معرفة ما في يده من شفع أو وتر، وكذا سائر أنواع اللّعب كالمسابقة على الأقدام وبالسّفن والزّوارق، لأنّ هذه الأمور لا تنفع في الحرب‏.‏ هذا إذا عقد عليها بعوض، وإلاّ فمباح‏.‏

وأمّا الرّمي بالبندق عن قوس فظاهر كلام الرّوضة كأصلها أنّه كذلك، لكنّ المنقول في الحاوي الجواز‏.‏ قال الشّبراملّسي‏:‏ وما تقدّم هو في بندق العيد الّذي يلعب به، أمّا بندق الرّصاص والطّين ونحوها فتصحّ المسابقة عليه ولو بعوض، لأنّ له نكايةً في العدوّ‏.‏

وألحق الشّافعيّة بالخيل‏:‏ الفيلة والبغال والحمير، فتصحّ المسابقة عليها بعوض وغيره في الأظهر، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا سبق إلاّ في خفّ أو حافر أو نصال»‏.‏

قال الإمام الجوينيّ‏:‏ ويؤيّده العدول عن ذكر الفرس والبعير إلى الخفّ والحافر، ولا فائدة فيه غير قصد التّعميم‏.‏

ومقابل الأظهر‏:‏ قصر الحديث على الإبل والخيل، لأنّها المقاتل عليها غالبًا، أمّا بغير عوض فيجوز‏.‏

ولا تصحّ المسابقة بعوض على الكلاب ومهارشة الدّيكة، ومناطحة الكباش بلا خلاف لا بعوض ولا غيره، لأنّ فعل ذلك سفه‏.‏

ولا على طير، وصراع، فلا تصحّ المسابقة فيهما على عوض في الأصحّ، لأنّهما ليسا من آلات القتال‏.‏

ومقابل الأصحّ‏:‏ تجوز المسابقة بعوض على الطّير والصّراع‏.‏

أمّا الطّير فللحاجة إليها في الحرب لإنهاء الأخبار‏.‏

وأمّا الصّراع «فلأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صارع ركانة على شياه»‏.‏

وكذا كلّ ما لا ينفع في الحرب كالشّباك والمسابقة على البقر فتجوز بلا عوض‏.‏

وأمّا الغطس في الماء فإن جرت العادة بالاستعانة به في الحرب فكالسّباحة فيجوز بلا عوض، وإلاّ فلا يجوز مطلقاً‏.‏

عقد المسابقة

10 - ذهب الحنفيّة والحنابلة وهو مقابل الأظهر عند الشّافعيّة إلى أنّ عقد المسابقة عقد جائز كعقد الجعالة، لأنّ العوض مبذول في مقابلة ما لا يوثق به كردّ الآبق، فعلى هذا لكلّ واحد من المتعاقدين الفسخ قبل الشّروع في المسابقة‏.‏

قال في المغني‏:‏ وإن أراد أحدهما الزّيادة فيها أو النّقصان منها لم يلزم الآخر إجابته، وأمّا بعد الشّروع في المسابقة فإن كان لم يظهر لأحدهما فضل على الآخر جاز الفسخ لكلّ واحد منهما، وإن ظهر لأحدهما فضل مثل أن يسبقه بفرسه في بعض المسابقة أو يصيب بسهامه أكثر منه فللفاضل الفسخ، ولا يجوز للمفضول، لأنّه لو جاز له ذلك لفات غرض المسابقة ‏;‏ لأنّه متى بان له سبق صاحبه له فسخها وترك المسابقة، فلا يحصل المقصود‏.‏

وقال المالكيّة‏:‏ عقد المسابقة لازم ليس لأحد المتسابقين فسخه إلاّ برضاهما‏.‏

وذهب الشّافعيّة في الأظهر عندهم إلى أنّ عقد المسابقة لازم لمن التزم بالعوض‏.‏ أمّا من لم يلتزم شيئاً فجائز في حقّه‏.‏

وعلى القول باللّزوم فليس لأحدهما فسخه إذا التزما المال وبينهما محلّل، لأنّ هذا شأن العقود اللّازمة، إلاّ إذا بان بالعوض المعيّن عيب فيثبت حقّ الفسخ كما في الأجرة‏.‏

ولا ترك العمل قبل الشّروع وبعده، ولا زيادة ولا نقص في العمل ولا في المال‏.‏

العوض

11 - يشترط أن يكون العوض معلوماً لأنّه مال في عقد، فلا بدّ أن يكون معلوماً كسائر العقود‏.‏ ويكون معلوماً بالمشاهدة أو بالقدر أو بالصّفة‏.‏

ويجوز أن يكون حالّاً ومؤجّلاً كالعوض في البيع، وأن يكون بعضه حالّاً وبعضه مؤجّلاً‏.‏

من يخرج العوض

12 - أ - إذا كانت المسابقة بين اثنين أو بين فريقين أخرج العوض أحد الجانبين المتسابقين كأن يقول أحدهما لصاحبه‏:‏ إن سبقتني فلك عليّ كذا، وإن سبقتك فلا شيء لي عليك‏.‏ ولا خلاف بين الفقهاء في جواز هذا‏.‏

ب - أن يكون العوض من الإمام أو غيره من الرّعيّة، وهذا جائز لا خلاف فيه، سواء كان من ماله أو من بيت المال، لأنّ في ذلك مصلحةً وحثّاً على تعلّم الجهاد ونفعاً للمسلمين‏.‏

ج - أن يكون العوض من الجانبين وهو الرّهان‏.‏

وجمهور الفقهاء على أنّ هذا غير جائز وهو من القمار المحرّم، لأنّ كلّ واحد منهما لا يخلو من أن يغنم أو يغرم‏.‏ وسواء كان ما أخرجاه متساوياً، مثل أن يخرج كلّ واحد منهما عشرة دنانير، أو متفاوتاً، مثل أن يخرج أحدهما عشرةً، والآخر خمسةً‏.‏

وذهب ابن القيّم إلى أنّ هذا جائز ونقله عن ابن تيميّة، لعدم صحّة الحديث الوارد في اشتراط المحلّل‏.‏ فإن أدخلا بينهما محلّلاً وهو ثالث لم يخرج شيئاً جاز، وبهذا قال جمهور الفقهاء، وهو مرويّ عن سعيد بن المسيّب والزّهريّ والأوزاعيّ وإسحاق‏.‏

وذهب المالكيّة إلى عدم الصّحّة لجواز رجوع الجعل إلى مخرجه‏.‏

واستدلّ الجمهور على الجواز بما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «من أدخل فرساً بين فرسين وهو لا يؤمن أن يسبق، فليس بقمار، ومن أدخل فرساً بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار»‏.‏

فجعله النّبيّ صلى الله عليه وسلم قماراً إذا أمن أن يسبق لأنّه لا يخلو كلّ واحد منهما من أن يغنم أو يغرم‏.‏ وإذا لم يأمن أن يسبق لم يكن قماراً لأنّ كلّ واحد منهما يجوز أن يخلو من ذلك‏.‏ فالشّرط أن يكون فرس المحلّل مكافئاً لفرسيهما، أو بعيره مكافئاً لبعيريهما، أو رميه مكافئًا لرميّيهما، فإن لم يكن مكافئاً مثل أن يكون فرساهما جوادين وفرسه بطيئاً، فهو قمار للخبر، ولأنّه مأمون سبقه فوجوده كعدمه، وإن كان مكافئاً لهما جاز‏.‏

فإن جاءوا كلّهم الغاية دفعةً واحدةً أحرز كلّ واحد منهما سبق نفسه ولا شيء للمحلّل لأنّه لا سابق فيهم، وكذلك إن سبق المستبقان المحلّل‏.‏

وإن سبق المحلّل وحده أحرز السّبقين بالاتّفاق، وإن سبق أحد المستبقين وحده أحرز سبق نفسه وأخذ سبق صاحبه، ولم يأخذ من المحلّل شيئاً‏.‏

وإن سبق أحد المستبقين والمحلّل أحرز السّابق مال نفسه ويكون سبق المسبوق بين السّابق والمحلّل نصفين، وسواء كان المستبقون اثنين أو أكثر حتّى لو كانوا مائةً وبينهم محلّل لا سبق منه، جاز‏.‏ وكذلك لو كان المحلّل جماعةً جاز، لأنّه لا فرق بين الاثنين والجماعة‏.‏ وقال المالكيّة‏:‏ إن سبق المخرج أو استويا لا يعود المال إلى مخرجه بل يكون لمن حضر، صدقة عليهم، وإن سبق الآخر أخذه‏.‏

ما يشترط في المسابقة في الخيل والإبل ونحوهما

13 - يشترط في المسابقة بالحيوان مع العلم بالمال المشروط ما يلي‏:‏

أ - تحديد المسافة‏:‏ بأن يكون لابتداء عدوهما وآخره غاية لا يختلفان فيها، لأنّ الغرض معرفة أسبقهما، ولا يعلم ذلك إلاّ بتساويهما في الغاية، ولأنّ أحدهما قد يكون مقصّراً في أوّل عدوه سريعاً في انتهائه، وقد يكون بضدّ ذلك، فيحتاج إلى غاية تجمع حاليه‏.‏ ومن الخيل ما هو أصبر، والقارح أصبر من غيره‏.‏

وقال المالكيّة‏:‏ لا تشترط المساواة في المبدأ ولا في الغاية بل إذا دخلا على الاختلاف في ذلك جاز، كأن يقول لصاحبه‏:‏ أسابقك بشرط أن أبتدئ الرّماحة من المحلّ الفلانيّ في القريب من آخر الميدان وأنت من المحلّ الفلانيّ الّذي هو بعيد من آخر الميدان، وكذلك الاختلاف في الغاية‏.‏

روى ابن عمر‏:‏ «أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سبق بين الخيل وفضل القرح في الغاية» «و سبق بين الخيل المضمرة من الحفياء إلى ثنيّة الوداع وذلك ستّة أميال أو سبعة، وبين الّتي لم تضمر من الثّنيّة إلى مسجد بني زريق وذلك ميل أو نحوه»‏.‏

فإن استبقا بغير غاية لينظر أيّهما يقف أوّلاً لم يجز، لأنّه يؤدّي إلى أن لا يقف أحدهما حتّى ينقطع فرسه، ويتعذّر الإشهاد على السّبق فيه‏.‏

ب - يشترط في المسابقة إرسال الفرسين أو البعيرين دفعةً واحدةً، فإن أرسل أحدهما قبل الآخر ليعلم هل يدركه الآخر أو لا ‏؟‏ لم يجز هذا في المسابقة بعوض، لأنّه قد لا يدركه مع كونه أسرع منه لبعد المسافة بينهما‏.‏

ج - أن يكون عند أوّل المسافة من يشاهد إرسالهما ويرتّبهما، وعند الغاية من يضبط السّابق منهما لئلاّ يختلفا في ذلك‏.‏

د - تعيين الفرسين أو البعيرين، لأنّ الغرض معرفة سيرهما، ومن ثمّ فلا يجوز إبدالهما ولا إبدال أحدهما لاختلاف الغرض، فإن وقع هلاك انفسخ العقد‏.‏

هـ - يشترط في الرّهان أن تكون الدّابّتان من جنس واحد، فإن كانتا من جنسين كالفرس والبعير لم يجز، لأنّ البعير لا يكاد يسبق الفرس فلا يحصل الغرض من هذه المسابقة‏.‏ وذهب المالكيّة وهو مقابل الأصحّ عند الشّافعيّة إلى الجواز مع اتّحاد الجنس أو اختلافه‏.‏

و - أن تكون المسابقة فيما يحتمل أن يسبق ويسبق، حتّى لو كانت فيما يعلم أنّه يسبق غالباً فلا يجوز، لأنّ معنى التّحريض في هذه الصّورة لا يتحقّق، فبقي الرّهان التزام المال بشرط لا منفعة فيه فيكون عبثاً ولعباً‏.‏

ز - واشترط الشّافعيّة أيضاً أن يركب المتسابقان الدّابّتين، وأن يعيّن الرّاكبان، وأن يجتنب الشّرط المفسد لحلّ الجعل كأن يقول المخرج لصاحبه‏:‏ إن سبقتني فالجعل لك على أن تطعمه أصحابك، لأنّه تمليك بشرط يمنع كمال التّصرّف‏.‏

ولا يشترط عند المالكيّة والحنابلة تعيين الرّاكبين‏.‏

ما يحصل به السّبق

14 - عند الشّافعيّة يحصل السّبق في الإبل بالكتف وفي الخيل بالعنق إذا استوى الفرسان في خلفة العنق، لأنّ الإبل ترفع أعناقها في العدو فلا يمكن اعتبارها، والخيل تمدّها فاعتبر بها‏.‏

وقيل‏:‏ يعتبر السّبق بالقوائم في الإبل والخيل ونحوهما، لأنّ العدو بالقوائم‏.‏ وهو الأقيس‏.‏

وذهب الحنابلة إلى أنّ السّبق يحصل في الخيل بالرّأس إذا تماثلت الأعناق، فإذا اختلفا في طول العنق أو كان ذلك في الإبل اعتبر السّبق بالكتف ‏;‏ لأنّ الاعتبار بالرّأس متعذّر‏.‏

وذهب الثّوريّ إلى أنّ السّبق يحصل بالأذن، فإذا سبق أحدهما بالأذن كان سابقاً‏.‏

المناضلة

15 - وهي المسابقة في الرّمي بالسّهام‏.‏ والمناضلة‏:‏ مصدر ناضلته نضالاً ومناضلةً‏.‏ وسمّي الرّمي نضالاً، لأنّ السّهم التّامّ يسمّى نضلاً، فالرّمي به عمل بالنّضل، فسمّي نضالاً ومناضلةً‏.‏

16 - ويشترط عند الشّافعيّة والحنابلة لصحّة المسابقة في الرّمي بالسّهام مع العلم بالمال المشروط ما يلي‏:‏

أ - أن يكون عدد الرّشق معلوماً، لأنّه لو كان مجهولاً لأفضى إلى الخلاف، لأنّ أحدهما يريد القطع، والآخر يريد الزّيادة فيختلفان‏.‏

ب - أن يكون عدد الإصابة معلوماً، فيقولان‏:‏ الرّشق عشرون، والإصابة خمسة أو ستّة أو ما يتّفقان عليه منها‏.‏ إلاّ أنّه لا يجوز اشتراط إصابة نادرة كإصابة جميع الرّشق، أو إصابة تسعة أعشاره ونحو هذا، لأنّ الظّاهر أنّ هذا لا يوجد فيفوت الغرض‏.‏

ج - استواؤهما في عدد الرّشق والإصابة وصفتها وسائر أحوال الرّمي‏.‏ وقال المالكيّة‏:‏ لا يشترط تساوي المتناضلين في المسافة، ولا في عدد الإصابة، ولا في موضع الإصابة‏.‏

د - معرفة قدر الغرض‏.‏ والغرض‏:‏ هو ما يقصد إصابته من قرطاس أو ورق أو جلد أو خشب أو قرع أو غيره‏.‏

هـ - أن يصفا الإصابة من قرع، وهو إصابة الغرض بلا خدش، أو خزق، وهو أن يثقبه ولا يثبت فيه، أو خسق، وهو أن يثبت فيه، أو مرق، وهو أن ينفذ منه، فإن أطلقا اقتضى القرع لأنّه المتعارف‏.‏ ويسمّى أيضاً شارةً وشنّاً‏.‏

ويجب أن يكون قدره معلوماً بالمشاهدة، أو بتقديره بشبر أو شبرين بحسب الاتّفاق، فإنّ الإصابة تختلف باختلاف سعته وضيقه‏.‏

و - معرفة المسافة‏:‏ إمّا بالمشاهدة أو بالذّرعان، لأنّ الإصابة تختلف بقربها وبعدها، ومهما اتّفقا عليه جاز، إلاّ أن يجعلا مسافةً بعيدةً تتعذّر الإصابة في مثلها، وهي ما زاد على ثلاثمائة ذراع فلا يصحّ، لأنّ الغرض يفوت بذلك‏.‏

وقد قيل‏:‏ إنّه ما رمى إلى أربعمائة ذراع إلاّ عقبة بن عامر الجهنيّ، رضي الله عنه‏.‏

ز - تعيين الرّماة، فلا يصحّ مع الإبهام، لأنّ الغرض معرفة حذق الرّامي بعينه لا معرفة حذق رام في الجملة‏.‏

ح - أن تكون المسابقة في الإصابة‏.‏ فلو قالا‏:‏ السّبق لأبعدنا رمياً لم يجز، لأنّ الغرض من الرّمي الإصابة، لا بعد المسافة، فإنّ المقصود من الرّمي‏:‏ إمّا قتل العدوّ أو جرحه، أو الصّيد أو نحو ذلك، وكلّ هذا إنّما يحصل من الإصابة لا من الإبعاد‏.‏

ط - أن يبتدئ بالرّمي أحدهما، لأنّهما لو رميا معاً لأفضى إلى الاختلاف ولم يعرف المصيب منهما‏.‏ والسّنّة أن يكون لهما غرضان يرميان أحدهما، ثمّ يمضيان إليه فيأخذان السّهام، ويرميان الآخر، لأنّ هذا كان فعل أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏.‏ وروي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏ «ما بين الغرضين روضة من رياض الجنّة»‏.‏

وقال إبراهيم التّيميّ‏:‏ رأيت حذيفة يشتدّ بين الهدفين، يقول‏:‏ أنا بها، أنا بها في قميص‏.‏ وعن ابن عمر مثل ذلك‏.‏

ويروى عن أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّهم كانوا يشتدّون بين الأغراض يضحك بعضهم إلى بعض، فإذا جاء اللّيل كانوا رهباناً‏.‏

فإن جعلوا غرضاً واحداً جاز، لأنّ المقصود يحصل به‏.‏

وجاز الافتخار - أي‏:‏ ذكر المفاخر بالانتساب إلى أب أو قبيلة - عند الرّمي، والرّجز بين المتسابقين، أو المتناضلين، وكذا في الحرب عند الرّمي‏.‏

ويجوز التّسمية لنفسه كأنا فلان بن فلان، أو أنا فلان أبو فلان‏.‏

وجاز الصّياح حال الرّمي لما فيه من التّشجيع وإراحة النّفس من التّعب‏.‏

والأولى‏:‏ ذكر اللّه تعالى عند الرّمي من تكبير أو غيره‏.‏

وتحدّث الرّامي بخلاف ما تقدّم خلاف الأولى،بل قد يحرم إن كان فحشاً من القول، أو يكره‏.‏

سبّ

التّعريف

1 - السّبّ لغةً واصطلاحاً‏:‏ الشّتم، وهو مشافهة الغير بما يكره، وإن لم يكن فيه حدّ، كيا أحمق، ويا ظالم‏.‏ قال الدّسوقيّ‏:‏ هو كلّ كلام قبيح، وحينئذ فالقذف، والاستخفاف، وإلحاق النّقص، كلّ ذلك داخل في السّبّ‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - العيب‏:‏

2 - العيب خلاف المستحسن عقلاً، أو شرعاً، أو عرفاً، وهو أعمّ من السّبّ‏.‏

قال الزّرقانيّ‏:‏ فإنّ من قال‏:‏ فلان أعلم من الرّسول صلى الله عليه وسلم فقد عابه، ولم يسبّه‏.‏

ب - اللّعن‏:‏

3 - اللّعن‏:‏ هو الطّرد من رحمة اللّه تعالى، لكنّه يطلق ويراد به السّبّ‏.‏

روى البخاريّ «إنّ من أكبر الكبائر أن يلعن الرّجل والديه، قيل‏:‏ يا رسول اللّه وكيف يلعن الرّجل والديه ‏؟‏ قال‏:‏ يسبّ الرّجل أب الرّجل فيسبّ أباه، ويسبّ أمّه فيسبّ أمّه»‏.‏

وروى مسلم في الصّحيح‏:‏ «من الكبائر شتم الرّجل والديه قالوا‏:‏ يا رسول اللّه وهل يشتم الرّجل والديه ‏؟‏ قال‏:‏ نعم، يسبّ أب الرّجل فيسبّ أباه، ويسبّ أمّه فيسبّ أمّه»‏.‏

فسّر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم اللّعن بالشّتم‏.‏

وقال ابن عبد السّلام‏:‏ اللّعن أبلغ في القبح من السّبّ المطلق‏.‏

ج - القذف‏:‏

4 - يطلق السّبّ ويراد به القذف، وهو الرّمي بالزّنى في معرض التّعيير، كما يطلق القذف ويراد به السّبّ‏.‏ وهذا إذا ذكر كلّ منهما منفرداً‏.‏

فإذا ذكرا معاً لم يدلّ أحدهما على الآخر، كما في حديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم «أتدرون ما المفلس ‏؟‏ قالوا‏:‏ المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع قال‏:‏ إنّ المفلس من أمّتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثمّ طرح في النّار»‏.‏

وعند التّغاير يكون المراد بالقذف ما يوجب الحدّ، وبالسّبّ ما يوجب التّعزير إن كان السّبّ غير مكفّر‏.‏

حكم السّبّ

5 - المستقرئ لصور السّبّ يجد أنّه تعتريه الأحكام الآتية‏:‏

أوّلاً‏:‏ الحرمة‏:‏ وهي أغلب أحكام السّبّ وقد يكفر السّابّ، كالّذي يسبّ اللّه تعالى أو يسبّ الرّسول صلى الله عليه وسلم أو الملائكة‏.‏

ثانياً‏:‏ الكراهة‏:‏ كسبّ الحمّى‏.‏

ثالثاً‏:‏ خلاف الأولى‏:‏ وذلك إذا سبّ المشتوم شاتمه بقدر ما سبّه به، عند بعض الفقهاء‏.‏ رابعاً‏:‏ الجواز‏:‏ نحو سبّ الأشرار، وسبّ السّابّ بقدر ما سبّ به عند أكثر الفقهاء‏.‏

ألفاظ السّبّ

6 - من ألفاظ السّبّ قوله‏:‏ كافر، سارق، فاسق، منافق، فاجر، خبيث، أعور، أقطع، ابن الزّمن، الأعمى، الأعرج، كاذب، نمّام‏.‏

ومن ألفاظ السّبّ ما يحكم بكفر قائله، نحو سبّ اللّه تعالى، أو أحد أنبيائه المجمع على نبوّتهم، أو ملائكته، أو دين الإسلام، وينظر حكمه في ‏(‏ردّة‏)‏‏.‏

ومنها ما يوجب الحدّ وهو لفظ السّبّ بالزّنا، وهو القذف، وينظر حكمه في ‏(‏قذف‏)‏‏.‏

ومنه ما يقتضي التّعزير، ومنه ما لا يقتضي تعزيرًا كسبّ الوالد ولده‏.‏

إثبات السّبّ المقتضي للتّعزير

7 - يثبت السّبّ المقتضي للتّعزير عند الحنفيّة بشاهدين، أو برجل وامرأتين، أو شاهدين على شهادة رجلين، وكذلك يجري فيه اليمين ويقضى فيه بالنّكول‏.‏

وعند المالكيّة يكفي شاهد واحد عدل، أو لفيف من النّاس‏.‏

واللّفيف‏:‏ المراد به الجماعة الّذين لم تثبت عدالتهم‏.‏

حكم من سبّ اللّه تعالى

8 - سبّ اللّه تعالى إمّا أن يقع من مسلم أو كافر‏.‏

فإن وقع من مسلم فإنّه يكون كافراً حلال الدّم‏.‏

ولا خلاف في ذلك، وإنّما الخلاف فقط في استتابته‏.‏ وانظر مصطلح‏:‏ ‏(‏ردّة‏)‏‏.‏

التّعريض بسبّ اللّه تعالى

9 - التّعريض بالسّبّ كالسّبّ، صرّح بذلك كثير من العلماء، نقل حنبل‏:‏ من عرّض بشيء من ذكر الرّبّ فعليه القتل مسلماً كان أو كافراً‏.‏

سبّ الذّمّيّ للّه تعالى

10 - لا يختلف الحكم في سبّ الذّمّيّ للّه تعالى عن سبّه للنّبيّ صلى الله عليه وسلم على ما يأتي من حيث القتل، ونقض العهد، ويتّضح الحكم عند الكلام عن سبّ الذّمّيّ للنّبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

حكم من سبّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم

سبّ المسلم النّبيّ صلى الله عليه وسلم

11 - إذا سبّ مسلم النّبيّ صلى الله عليه وسلم فإنّه يكون مرتدّاً‏.‏

وفي استتابته خلاف ينظر في مصطلح ‏(‏ردّة‏)‏‏.‏

سبّ الذّمّيّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم

12 - للعلماء عدّة أقوال في حكم الذّمّيّ إذا سبّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقيل‏:‏ إنّه ينقض أمانه بذلك إن لم يسلم، وقيل غير ذلك‏.‏ وتفصيله في مصطلح‏:‏ ‏(‏أهل الذّمّة‏)‏‏.‏ ويقتل وجوباً عند المالكيّة بهذا السّبّ إن لم يسلم، فإن أسلم إسلاماً غير فارّ به من القتل لم يقتل لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ‏}‏‏.‏

قالوا‏:‏ وإنّما لم يقتل إذا أسلم مع أنّ المسلم الأصليّ يقتل بسبّه عليه الصلاة والسلام، ولا تقبل توبته من أجل حقّ الآدميّ، لأنّا نعلم باطنه في بغضه وتنقيصه بقلبه لكنّا منعناه من إظهاره، فلم يزدنا ما أظهره إلاّ مخالفته للأمر، ونقضاً للعهد، فإذا رجع إلى الإسلام سقط ما قبله، بخلاف المسلم فإنّا ظننّا باطنه بخلاف ما بدا منه الآن‏.‏

وعند الشّافعيّة إن اشترط عليهم انتقاض العهد بمثل ذلك، انتقض عهد السّابّ ويخيّر الإمام فيه بين القتل والاسترقاق والمنّ والفداء إن لم يسأل الذّمّيّ تجديد العقد‏.‏

ولا فرق بين نبيّ وغيره من سائر الأنبياء، وكذا الرّسل إذ النّبيّ أعمّ من الرّسول على المشهور‏.‏

والأنبياء الّذين تخصّهم هذه الأحكام هم المتّفق على نبوّتهم، أمّا من لم تثبت نبوّتهم فليس حكم من سبّهم كذلك‏.‏ ولكن يزجر من تنقّصهم أو آذاهم، ويؤدّب بقدر حال القول فيهم، لا سيّما من عرفت صدّيقيّته وفضله منهم كمريم، وإن لم تثبت نبوّته، ولا عبرة باختلاف غيرنا في نبوّة نبيّ من الأنبياء، كنفي اليهود نبوّة داود وسليمان‏.‏

التّعريض بسبّ الأنبياء

13 - التّعريض بسبّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كالتّصريح، ذكر ذلك فقهاء الحنفيّة والمالكيّة، والشّافعيّة، وهو قول للحنابلة‏.‏ ويقابله عندهم أنّ التّعريض ليس كالتّصريح‏.‏ وقد ذكر عياض رحمه الله تعالى إجماع العلماء وأئمّة الفتوى من لدن الصّحابة ومن بعدهم على أنّ التّلويح كالتّصريح‏.‏

سبّ السّكران النّبيّ صلى الله عليه وسلم

14 - اختلف الفقهاء في حكم السّكران إذا سبّ في سكره نبيّاً من الأنبياء، هل يكون مرتدّاً بذلك ‏؟‏ وهل يقتل ‏؟‏ وينظر تفصيل ذلك في مصطلح‏:‏ ‏(‏سكر‏)‏‏.‏

الإكراه على سبّ اللّه تعالى، أو الرّسول صلى الله عليه وسلم

15 - الإكراه على سبّ اللّه تعالى، أو سبّ رسوله صلى الله عليه وسلم لا يخرج عن كونه إكراهاً على الكفر، ويتكلّم الفقهاء فيه غالباً في باب الرّدّة أو الإكراه‏.‏

وتفصيل القول في ذلك ينظر في مصطلح‏:‏ ‏(‏تقيّة، ردّة، إكراه‏)‏‏.‏

سبّ الملائكة

16 - حكم سبّ الملائكة لا يختلف عن حكم سبّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام‏.‏

قال عياض رحمه الله تعالى‏:‏ وهذا فيمن حقّقنا كونه من الملائكة كجبريل وميكائيل وخزنة الجنّة وخزنة النّار والزّبانية وحملة العرش، وكعزرائيل، وإسرافيل ورضوان، والحفظة، ومنكر ونكير من الملائكة المتّفق عليهم‏.‏

وأمّا غير المتّفق على كونه من الملائكة فليس الحكم في سابّهم والكافر بهم كالحكم فيمن قدّمناه إذ لم يثبت لهم تلك الحرمة، ولكن يزجر من تنقّصهم وآذاهم، ويؤدّب حسب حال المقول فيهم‏.‏ وحكى الزّرقانيّ عن القرافيّ أنّه يقتل من سبّ المختلف فيهم‏.‏

قتل القريب الكافر إذا سبّ اللّه تعالى أو الرّسول أو الدّين

17 - الأصل أنّه يكره قتل القريب الكافر حتّى في الغزو‏.‏ لكنّه إن سبّ الإسلام أو سبّ اللّه تعالى، أو نبيّاً من الأنبياء يباح له قتله، لأنّ «أبا عبيدة بن الجرّاح رضي الله تعالى عنه قتل أباه، وقال لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ سمعته يسبّك، ولم ينكره عليه»‏.‏

وورد «أنّ رجلاً جاء إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال إنّي سمعت أبي يقول فيك قولاً قبيحاً فقتلته، فلم يشقّ ذلك على النّبيّ صلى الله عليه وسلم»‏.‏

سبّ نساء النّبيّ صلى الله عليه وسلم

18 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ سبّ عائشة رضي الله تعالى عنها ممّا برّأها اللّه تعالى منه كفر، لأنّ السّابّ بذلك كذّب اللّه تعالى في أنّها محصنة‏.‏

أمّا إن قذف سائر أزواج النّبيّ صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك فذهب بعض الفقهاء إلى أنّ حكمه كحكم قذف عائشة رضي الله تعالى عنها‏.‏

أمّا إن كان السّبّ بغير القذف لعائشة أو غيرها من أمّهات المؤمنين فقد صرّح الزّرقانيّ من المالكيّة بأنّ السّابّ يؤدّب، وكذا البهوتيّ من الحنابلة فرّق بين القذف وبين السّبّ بغير القذف وهو ما يؤخذ من كلام عامّة الفقهاء، وإن لم يصرّحوا بذلك لأنّهم يقيّدون السّبّ المكفّر بأنّه السّبّ بما برّأها اللّه تعالى منه‏.‏

ومن صرّح بالقتل بالسّبّ فإنّ عبارته يفهم منها أنّه سبّ هو قذف‏.‏

سبّ الدّين والملّة

19 - اتّفق الفقهاء على أنّ من سبّ ملّة الإسلام أو دين المسلمين يكون كافراً، أمّا من شتم دين مسلم فقد قال الحنفيّة كما جاء في جامع الفصولين‏:‏ ينبغي أن يكفر من شتم دين مسلم، ولكن يمكن التّأويل بأنّ المراد أخلاقه الرّديئة ومعاملته القبيحة لا حقيقة دين الإسلام فينبغي أن لا يكفر حينئذ‏.‏

قال العلّامة عليش‏:‏ يقع كثيراً من بعض شغلة العوّام كالحمّارة والجمّالة والخدّامين سبّ الملّة أو الدّين، وربّما وقع من غيرهم، وذلك أنّه إن قصد الشّريعة المطهّرة، والأحكام الّتي شرعها اللّه تعالى لعباده على لسان نبيّه صلى الله عليه وسلم فهو كافر قطعًا، ثمّ إن أظهر ذلك فهو مرتدّ‏.‏

فإن وقع السّبّ من الذّمّيّ فإنّه يأخذ حكم سبّ اللّه أو النّبيّ، ذكر ذلك من تعرّض لهذه المسألة‏.‏

نقل عن عصماء بنت مروان اليهوديّة أنّها كانت تعيب الإسلام، وتؤذي النّبيّ صلى الله عليه وسلم وتحرّض عليه فقتلها عمرو بن عديّ الخطميّ‏.‏

قالوا‏:‏ فاجتمع فيها موجبات القتل إجماعاً‏.‏

وهذا عند غير الحنفيّة، أمّا الحنفيّة فقد قالوا‏:‏ يجوز قتله وينقض عهده إن طعن في الإسلام طعناً ظاهراً‏.‏

سبّ الصّحابة رضي الله عنهم

20 - لا خلاف بين العلماء في أنّه يحرم سبّ الصّحابة رضوان الله عليهم لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا تسبّوا أصحابي فلو أنّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه»‏.‏

فذهب جمهور العلماء إلى أنّه فاسق، ومنهم من يكفّره، فإن وقع السّبّ من أحد من النّاس فللفقهاء فيه مذهبان‏:‏

الأوّل‏:‏ وعليه أكثر العلماء أن يكون فاسقاً، قال به الحنفيّة، وهو قول المالكيّة إن شتمهم بما يشتم به النّاس، وهو المعتمد عند الشّافعيّة، وهو قول الحنابلة إن لم يكن مستحلّاً، نقل عبد اللّه عن أحمد أنّه سئل فيمن شتم صحابيّاً القتل ‏؟‏ فقال‏:‏ أجبن عنه، ويضرب‏.‏ ما أراه على الإسلام‏.‏

الثّاني‏:‏ وهو قول ضعيف للحنفيّة، نقله البزّازيّ عن الخلاصة‏:‏ إن كان السّبّ للشّيخين يكفر، قال ابن عابدين‏:‏ إنّه مخالف لما في المتون، وهو قول المالكيّة إن قال فيهم‏:‏ كانوا على ضلال وكفر، وقصر سحنون الكفر على من سبّ الأربعة أبا بكر وعمر وعثمان وعليّاً، وهو مقابل المعتمد عند الشّافعيّة، ضعّفه القاضي وهو قول للحنابلة إن كان مستحلّاً، وقيل‏:‏ وإن لم يستحلّ‏.‏

سبّ الإمام

21 - يحرم سبّ الإمام، ويعزّر من سبّه‏.‏

قال الحنفيّة‏:‏ لا يستوفي الإمام التّعزير بنفسه‏.‏

وصرّح فقهاء الشّافعيّة، والحنابلة بأنّ التّعريض بالسّبّ كالتّصريح‏.‏

سبّ الوالد

22 - يحرم سبّ الابن والده، أو التّسبّب في سبّه، جاء في الأحاديث الصّحيحة أنّ ذلك من أكبر الكبائر، روى البخاريّ في صحيحه «إنّ من أكبر الكبائر أن يلعن الرّجل والديه، قيل‏:‏ يا رسول اللّه، وكيف يلعن الرّجل والديه ‏؟‏، قال‏:‏ يسبّ الرّجل أب الرّجل فيسبّ أباه، ويسبّ أمّه فيسبّ أمّه»‏.‏

وبعض الفقهاء يصرّح بهذه الكبيرة والبعض لا يذكرها ولعلّه اعتماداً على ورودها في السّنّة‏.‏ ويعزّر الولد في سبّ أبيه‏.‏

سبّ الابن

23 - لا يعزّر من سبّ ولده، وذكر الإمام الغزاليّ أنّ دوام سبّ الوالد لولده بحكم الغضب يجري مجرى الفلتات في غيره ولا يقدح في عدالة الوالد‏.‏

هذا عند عامّة الفقهاء، لأنّ الوالد لا يحدّ في القذف، فمن باب أولى لا يعزّر في الشّتم‏.‏ وذكر صاحب الدّرّ من الحنفيّة أنّ الوالد يعزّر في شتم ولده‏.‏

سبّ المسلم

24 - سبّ المسلم معصية، وصرّح كثير من الفقهاء بأنّه كبيرة‏.‏ قال النّوويّ‏:‏ يحرم سبّ المسلم من غير سبب شرعيّ يجوّز ذلك‏.‏ روينا في صحيحي البخاريّ ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «سباب المسلم فسوق»، وإذا سبّ المسلم ففيه التّعزير، وحكى بعضهم الاتّفاق عليه‏.‏

قال الشّافعيّة والحنابلة‏:‏ والتّعريض كالسّبّ، وهذا إذا وقع السّبّ بشروطه المتقدّمة‏.‏

سبّ الذّمّيّ

25 - سبّ المسلم للذّمّيّ معصية، ويعزّر المسلم إن سبّ الكافر‏.‏

قال الشّافعيّة‏:‏ سواء أكان حيّاً، أو ميّتاً، يعلم موته على الكفر‏.‏

وقال البهوتيّ من الحنابلة‏:‏ التّعزير لحقّ اللّه تعالى‏.‏

النّهي عن سبّ آلهة المشركين

26 - يحرم سبّ آلهة المشركين لقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}‏‏.‏

قال ابن العربيّ‏:‏ اتّفق العلماء على أنّ معنى الآية لا تسبّوا آلهة الكفّار فيسبّوا إلهكم‏.‏

سبّ السّابّ قصاصاً

27 - أجاز جمهور الفقهاء لمن سبّه أحد أن يسبّه بقدر ما سبّه‏.‏

قال الشّافعيّة‏:‏ بشرط أن لا يكون كاذباً، ولا قاذفاً، نحو‏:‏ يا أحمق، ويا ظالم، لأنّه لا يخلو أحد عنهما، قالوا‏:‏ وعلى الأوّل إثم الابتداء‏.‏

صرّح بهذا فقهاء الشّافعيّة، وقيّد الحنابلة القصاص بأن لا يكون فيه فرية أي قذف‏.‏

ولا يخالف المالكيّة في ذلك، قالوا‏:‏ لا تأديب إذا كان في مشاتمة، لأنّ كلّ واحد منهما قد نال من صاحبه‏.‏ وجعل الحنفيّة ذلك خلاف الأولى‏.‏

استدلّ القائلون بالجواز بخبر أبي داود‏:‏ «أنّ زينب لمّا سبّت عائشة رضي الله عنهما قال لها النّبيّ صلى الله عليه وسلم سبّيها»‏.‏

ويشهد لقول الحنفيّة ما ورد عن «جابر بن سليم قال‏:‏ رأيت رجلاً يصدر النّاس عن رأيه لا يقول شيئاً إلاّ صدروا عنه، قلت‏:‏ من هذا ‏؟‏ قالوا‏:‏ هذا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قلت‏:‏ عليك السّلام يا رسول اللّه مرّتين، قال‏:‏ لا تقل‏:‏ عليك السّلام فإنّ عليك السّلام تحيّة الميّت، قل‏:‏ السّلام عليك قال‏.‏ قلت‏:‏ أنت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ‏؟‏ قال‏:‏ أنا رسول اللّه الّذي إذا أصابك ضرّ فدعوته كشفه عنك، وإن أصابك عام سنة فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفراء أو فلاة فضلّت راحلتك فدعوته ردّها عليك قال قلت‏:‏ اعهد إليّ، قال‏:‏ لا تسبّنّ أحداً قال‏:‏ فما سببت بعده حرّاً ولا عبداً ولا بعيراً ولا شاةً، قال‏:‏ ولا تحقرنّ شيئاً من المعروف، وأن تكلّم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، إنّ ذلك من المعروف، وارفع إزارك إلى نصف السّاق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإيّاك وإسبال الإزار فإنّها من المخيلة، وإنّ اللّه لا يحبّ المخيلة، وإن امرؤ شتمك وعيّرك بما يعلم فيك فلا تعيّره بما تعلم فيه، فإنّما وبال ذلك عليه»‏.‏

28 - ويستثنى ممّا تقدّم عدّة صور أهمّها‏:‏

أ - سبّ الابن‏:‏ فلا يقتصّ من أبيه إذا سبّه‏.‏

ب - الإمام الأعظم‏:‏ إذا سبّ فلا يقتصّ بنفسه‏.‏

ج - الصّائم‏:‏ إذا سبّه أحد فلا يجوز له أن يسبّه، فالسّبّ يحبط أجر الصّيام‏.‏

يقول صلى الله عليه وسلم‏:‏ «الصّيام جنّة، فإذا كان أحدكم صائماً، فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل إنّي صائم إنّي صائم»‏.‏

سبّ الأموات

29 - قال العلماء يحرم سبّ ميّت مسلم لم يكن معلناً بفسقه لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا تسبّوا الأموات فإنّهم قد أفضوا إلى ما قدّموا»‏.‏

وأمّا الكافر، والمسلم المعلن بفسقه، ففيه خلاف للسّلف لتعارض النّصوص فيه‏.‏

قال ابن بطّال‏:‏ سبّ الأموات يجري مجرى الغيبة، فإن كان أغلب أحوال المرء الخير وقد تكون منه الفلتة فالاغتياب له ممنوع، وإن كان فاسقاً معلناً فلا غيبة له، وكذلك الميّت‏.‏

سبّ الدّهر

30 - وردت في الأحاديث الصّحيحة بالنّهي عن سبّ الدّهر، أخرج أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «لا تسبّوا الدّهر، فإنّ اللّه قال‏:‏ أنا الدّهر، الأيّام واللّيالي لي أجدّدها وأبليها، وآتي بملوك بعد ملوك»‏.‏

قال ابن حجر ومعنى النّهي عن سبّ الدّهر أنّ من اعتقد أنّه الفاعل للمكروه فسبّه خطأ، فإنّ اللّه هو الفاعل، فإذا سببتم من أنزل ذلك بكم رجع السّبّ إلى اللّه‏.‏

سبّ الرّيح

31 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏

«الرّيح من روح اللّه تعالى تأتي بالرّحمة، وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها فلا تسبّوها، وسلوا اللّه خيرها، واستعيذوا باللّه من شرّها»‏.‏

قال الشّافعيّ‏:‏ لا ينبغي لأحد أن يسبّ الرّياح، فإنّها خلق للّه تعالى مطيع، وجند من أجناده، يجعلها رحمةً ونعمةً إذا شاء‏.‏

سبّ الحمّى

32 - قال النّوويّ‏:‏ يكره سبّ الحمّى، روي في صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه «أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم دخل على أمّ السّائب - أو أمّ المسيّب - فقال ما لك يا أمّ السّائب - أو يا أمّ المسيّب - تزفزفين قالت‏:‏ الحمّى، لا بارك اللّه فيها فقال‏:‏ لا تسبّي الحمّى فإنّها تذهب خطايا بني آدم، كما يذهب الكير خبث الحديد»‏.‏

ولأنّها تكفّر ذنوب المؤمن، قال ابن القيّم في حديث‏:‏ «الحمّى حظّ المؤمن من النّار» فالحمّى للمؤمن تكفّر خطاياه فتسهّل عليه الورود على النّار فينجو منه سريعاً‏.‏

وقال الزّيد العراقيّ‏:‏ إنّما جعلت حظّه من النّار لما فيها من الحرّ والبرد المغيّر للجسم، وهذه صفة جهنّم، فهي تكفّر الذّنوب فتمنعه من دخول النّار‏.‏

سبب

التّعريف

1 - السّبب لغةً‏:‏ الحبل‏.‏ ثمّ استعمل لكلّ شيء يتوصّل به إلى غيره، والجمع أسباب‏.‏ والسّبب في الاصطلاح‏:‏ أحد أقسام الحكم الوضعيّ‏.‏

وعرّفه الحنفيّة‏:‏ بأنّه ما يكون طريقاً إلى الحكم من غير تأثير، أي من غير أن يضاف إليه وجوب ولا وجود، ولا يعقل فيه معاني العلل، لكن يتخلّل بينه وبين الحكم علّة لا تضاف إلى السّبب‏.‏

واحترز بقيد ‏"‏ كونه طريقاً ‏"‏ عن العلامة‏.‏

واحترز بقيد ‏"‏ الوجوب ‏"‏ عن العلّة، إذ العلّة ما يضاف إليها ثبوت الحكم، وهذا هو المقصود بقولهم ‏"‏ وجوب ‏"‏‏.‏

واحترز بقيد ‏"‏ وجود ‏"‏ عن العلّة والشّرط، لأنّ الحكم يضاف إلى العلّة وجوداً بها، ويضاف إلى الشّرط وجودًا عنده‏.‏

واحترز بقيد ‏"‏ ولا يعقل فيه معاني العلل ‏"‏ عن السّبب الّذي له شبهة العلّة، وهو ما أثّر في الحكم بواسطة‏.‏ فلا يوجد للسّبب الحقيقيّ تأثير في الحكم بواسطة أو بغير واسطة‏.‏

وعرّف الشّافعيّة السّبب بأنّه‏:‏ كلّ وصف ظاهر منضبط دلّ الدّليل السّمعيّ على كونه معرّفاً لحكم شرعيّ‏.‏

واحترز بالظّاهر عن الوصف الخفيّ كعلوق النّطفة بالرّحم فإنّه سبب خفيّ لا يعلّق عليه وجوب العدّة، وإنّما يعلّق على وصف ظاهر وهو الطّلاق مثلاً‏.‏

واحترز بالمنضبط عن السّبب المتخلّف الّذي لا يوجد دائمًا كالمشقّة فإنّها تتخلّف، ولذا علّق سبب القصر على السّفر دون المشقّة‏.‏

ومثال السّبب‏:‏ زوال الشّمس أمارة معرفة لوجوب الصّلاة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ‏}‏ وكجعل طلوع الهلال أمارةً على وجوب صوم رمضان في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ‏}‏‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الشّرط‏:‏

2 - الشّرط وصف يلزم من انتفائه انتفاء الحكم ولا يلزم من وجوده وجود الحكم ولا يستلزمه‏.‏ ومثاله‏:‏ الحول شرط لوجوب الزّكاة، فعدمه يستلزم عدم وجوبها، ووجوده دون وجود السّبب الّذي هو النّصاب لا يستلزم وجوب الزّكاة، والقدرة على التّسليم شرط في صحّة البيع فعدمها يستلزم عدم صحّته‏.‏

والفرق بين الشّرط والسّبب أنّ الأوّل يتعلّق بوجوده وجود الحكم‏.‏

ب - العلّة‏:‏

3 - العلّة هي ما يضاف إليه وجوب الحكم - أي ثبوته - ابتداءً‏.‏

فالفرق بينها وبين السّبب أنّ الحكم يثبت بالعلّة بلا واسطة، في حين لا يثبت الحكم بالسّبب إلاّ بواسطة‏.‏

ولذا احترز عنه في التّعريف بكلمة ‏"‏ ابتداءً ‏"‏‏.‏ كما يفترقان في أنّ السّبب قد يتأخّر عنه حكمه وقد يتخلّف عنه، ولا يتصوّر التّأخّر والتّخلّف في العلّة‏.‏

ومن أمثلة ترتّب الحكم على العلّة بدون واسطة ولا شرط وترتّبه على السّبب بواسطة قول القائل‏:‏ أنت طالق، فإنّه يستعقب الطّلاق من غير توقّف على شرط، أمّا لو قال‏:‏ إذا دخلت الدّار فأنت طالق سمّي سبباً لتوقّف الحكم على واسطة وهي دخول الدّار‏.‏

أقسام السّبب

4 - قسّم الأصوليّون من الحنفيّة السّبب إلى ثلاثة أقسام‏:‏

أ - السّبب الحقيقيّ‏:‏ وهو سبب ليس فيه معنى العلّة‏.‏ وذلك بأن تكون العلّة غير مضافة إلى السّبب بأن تكون العلّة فعلاً اختياريّاً فلا يضاف الحكم إليه‏.‏

مثاله‏:‏ أنّ الدّالّ على مال السّرقة لا يضمن، ولا يشترك في الغنيمة الدّالّ على حصن في دار الحرب، لأنّه توسّط بين السّبب والحكم علّة هي فعل فاعل مختار وهو السّارق والغازي فتقطع هذه العلّة نسبة الحكم إلى السّبب‏.‏

ب - سبب فيه معنى العلّة‏:‏ وهو ما توسّط بينه وبين الحكم علّة وكانت العلّة مضافةً إلى السّبب كوطء الدّابّة شيئاً، فإنّه علّة لهلاكه وهذه العلّة مضافة إلى سوقها وهو السّبب فيضاف الحكم إلى السّبب فتجب الدّية بسوق الدّابّة‏.‏

ج - سبب مجازيّ‏:‏ كالصّيغ الدّالّة على تعليق الطّلاق أو النّذر فإنّها قبل وقوع المعلّق عليه أسباب مجازيّة لما يترتّب عليها من الجزاء وهو وقوع الطّلاق أو لزوم النّذر‏.‏

ولم تعتبر أسباباً حقيقيّةً إذ ربّما لا تفضي إلى الجزاء بأن لا يقع المعلّق عليه‏.‏

ويطلق على هذا النّوع من السّبب ‏"‏ سبب له شبهة العلّة ‏"‏‏.‏

ما يطلق عليه اسم السّبب

5 - يطلق الفقهاء السّبب على أربعة أوجه‏:‏

أ - في مقابلة المباشرة‏:‏ فيقال‏:‏ إنّ حافر البئر مع المرديّ فيه صاحب سبب والمرديّ صاحب علّة فإنّ الهلاك حصل بالتّردية لكن عند وجود السّبب‏.‏

ب - علّة العلّة‏:‏ كما في الرّمي سبب للقتل من حيث إنّه سبب للعلّة فالموت لم يحصل بمجرّد الرّمي بل بالواسطة فأشبه ما لا يحصل الحكم إلاّ به‏.‏

ج - ذات العلّة بدون شرطها‏:‏ كقولهم‏:‏ الكفّارة تجب باليمين دون الحنث، فاليمين هو السّبب سواء وجد الحنث أم لم يوجد‏.‏

وكقولهم‏:‏ الزّكاة تجب بالحول فإنّ ملك النّصاب هو السّبب سواء وجد الحول الّذي هو شرط وجوب الزّكاة أم لم يوجد‏.‏

ويريدون بهذا السّبب ما تحسن إضافة الحكم إليه ويقابلونه بالمحلّ والشّرط فيقولون‏:‏ ملك النّصاب سبب والحول شرط‏.‏

د - الموجب‏:‏ والسّبب بهذا الإطلاق يكون بمعنى العلّة الشّرعيّة‏.‏

والعلل الشّرعيّة فيها معنى العلامات المظهرة فشابهت الأسباب من هذا الوجه‏.‏

قال الزّركشيّ‏:‏ العلّة الشّرعيّة هي المجموع المركّب من المقتضى والشّرط وانتفاء المانع ووجود الأهل والمحلّ‏.‏

سبط

التّعريف

1 - السّبط يطلق في اللّغة على ولد الابن والابنة‏.‏ وأكثر ما يستعمل السّبط في ولد البنت، ومنه قيل للحسن والحسين‏:‏ سبطا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏.‏

وفي الاصطلاح يطلق عند الشّافعيّة على ولد البنت‏.‏

وعند الحنابلة يطلق على ولد الابن والبنت‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

الحفيد‏:‏

2 - الحفيد لغةً‏:‏ ولد الولد‏.‏ ويستعمل الشّافعيّة هذا اللّفظ بنفس المعنى اللّغويّ‏.‏

أمّا الحنابلة فيقع لفظ الحفيد عندهم على ولد الابن والبنت‏.‏ ‏(‏ر‏:‏ حفيد‏)‏‏.‏

النّافلة‏:‏

3 - النّافلة‏:‏ ولد الولد ذكراً كان أو أنثى‏.‏

العقب‏:‏

4 - عقب الرّجل ولده الذّكور والإناث، وولد بنيه من الذّكور والإناث، إلاّ أنّهم لا يسمّون عقباً إلاّ بعد وفاته‏.‏

الذّرّيّة‏:‏

5 - الذّرّيّة أصلها الصّغار من الأولاد مهما نزلوا، ويقع على الصّغار والكبار معاً في التّعارف‏.‏

وللفقهاء في دخول أولاد البنات في الذّرّيّة خلاف‏.‏

وتفصيل ذلك ينظر في ‏(‏ذرّيّة، و ولد، ووقف‏)‏‏.‏

الحكم الإجماليّ

دخول السّبط في الوقف على قوم وأولادهم ونسلهم

6 - إذا وقف على قوم وأولادهم أو عاقبتهم أو نسلهم دخل في الوقف أولاد البنين بغير خلاف‏.‏ أمّا أولاد البنات فقد اختلف الفقهاء في دخولهم‏.‏

فذهب الحنفيّة الشّافعيّة وأبو بكر وابن حامد من الحنابلة إلى أنّه يدخل أولاد البنات في الوقف على الذّرّيّة أو النّسل أو العقب أو أولاد الأولاد، لأنّ البنات أولاده، وأولادهنّ أولاد حقيقة، فيدخلون في الوقف لتناول اللّفظ لهم‏.‏

وقد دلّ على صحّة هذا قول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ‏}‏ وعيسى عليه السلام من ولد البنت، فجعله من ذرّيّته، وكذلك ذكر اللّه تعالى قصّة عيسى وإبراهيم وموسى وإسماعيل وإدريس‏.‏ ثمّ قال‏:‏ ‏{‏أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ‏}‏ وعيسى معهم‏.‏

«وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الحسن‏:‏ ابني هذا سيّد» وهو ولد بنته، ولمّا قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمْ‏}‏ دخل في التّحريم حلائل أبناء البنات، ولمّا حرّم اللّه تعالى البنات دخل في التّحريم بناتهنّ‏.‏

ويرى المالكيّة والحنابلة أنّ أولاد البنات لا يدخلون في الوقف الّذي على أولاده وأولاد أولاده، وهكذا إذا قال على ذرّيّته ونسله‏.‏ وللتّفصيل ‏(‏ر‏:‏ وقف‏)‏‏.‏

دخول السّبط في الاستئمان للأولاد

7 - إذا قال الحربيّ‏:‏ أمّنوني على أولادي فأجيب إلى ذلك دخل فيه أولاده لصلبه وأولادهم من قبل الذّكور دون أولاد البنات، لأنّهم ليسوا بأولاده، هكذا ذكر محمّد في السّير كما نقل عنه قاضي خان وابن عابدين‏.‏

وذكر الخصّاف أنّهم يدخلون «لقوله عليه الصلاة والسلام حين أخذ الحسن والحسين‏:‏ أولادنا أكبادنا»‏.‏

ولو قال الحربيّ‏:‏ أمّنوني على أولاد أولادي دخل أولاد البنات، لأنّ اسم ولد الولد حقيقة فيمن ولده ولدك، وابنتك ولدك، فما ولدته ابنتك يكون ولد ولدك حقيقةً‏.‏

مواطن البحث

8 - للسّبط أحكام متعدّدة مفصّلة تنظر في مظانّها من كتب الفقه، ومن ذلك الإرث والوصيّة والنّكاح والحضانة والنّفقة والجنايات‏.‏

وتنظر كذلك مصطلحات ‏(‏ابن الابن، وابن البنت، وحفيد‏)‏

سبع

انظر‏:‏ أطعمة‏.‏

سبق

انظر‏:‏ سباق‏.‏

سبق الحدث

التّعريف

1 - السّبق مصدر سبق وهو في اللّغة‏:‏ القدمة في الجري وفي كلّ شيء‏.‏

والحدث من حدث الشّيء حدوثاً‏:‏ أي تجدّد ويتعدّى بالألف فيقال‏:‏ أحدثه، وأحدث الإنسان إحداثاً، والاسم‏:‏ الحدث، ويطلق على الحالة النّاقضة للطّهارة، وعلى الحادث المنكر الّذي ليس بمعتاد، ولا معروف في السّنّة‏.‏

وسبق الحدث في الاصطلاح‏:‏ خروج شيء مبطل للطّهارة من بدن المصلّي ‏"‏ من غير قصد ‏"‏ في أثناء الصّلاة‏.‏

الحكم التّكليفيّ

2 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ الصّلاة لا تنعقد إن لم يكن متطهّراً عند إحرامه، عامداً كان، أم ساهياً، كما لا خلاف بينهم في أنّ الصّلاة تبطل إذا أحرم متطهّراً ثمّ أحدث عمداً‏.‏ واختلفوا في الحدث الّذي يسبق من غير قصد ممّا يخرج من بدن المصلّي‏:‏ من غائط، أو بول، أو ريح، وكذا الدّم السّائل من جرح أو دمّل به بغير صنعه عند من يرى أنّه حدث يفسد الطّهارة‏.‏

3 - فذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا سبق منه شيء من هذه الأحداث تفسد طهارته، ولا تبطل صلاته فيجوز له البناء على ما مضى من صلاته بعد تطهّره استحساناً لا قياساً، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف، فليتوضّأ، ثمّ ليبن على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلّم»‏.‏

ولأنّ الخلفاء الرّاشدين، والعبادلة الثّلاثة، وأنس بن مالك وسلمان الفارسيّ رضي الله عنهم، قالوا بالبناء على ما مضى‏.‏

وروي عن أبي بكر رضي الله عنه أنّه سبقه الحدث في الصّلاة فتوضّأ وبنى على صلاته‏.‏ وروي عن عمر أنّه فعل ذلك فثبت البناء عن الصّحابة قولاً وفعلاً‏.‏

قالوا‏:‏ وكان القياس أن تبطل صلاته أيضًا ويستأنف الصّلاة بعد التّطهّر، لأنّ التّحريمة لا تبقى مع الحدث، كما لا تنعقد معه، لفوات أهليّة أداء الصّلاة في الحالين بفوات الطّهارة فيهما، لأنّ الشّيء لا يبقى مع عدم الأهليّة، كما لا ينعقد من غير أهليّة، فلا تبقى التّحريمة، لأنّها شرعت لأداء أفعال الصّلاة، ولهذا لا تبقى مع الحدث العمد بالاتّفاق، ولأنّ صرف الوجه عن القبلة، والمشي للطّهارة في الصّلاة مناف لها‏.‏ ولكن عدل عن القياس للنّصّ والإجماع‏.‏ وهذا هو القول القديم للشّافعيّ، ورواية عن أحمد‏.‏

4 - وقال المالكيّة وهو القول الجديد للشّافعيّ وأصحّ الرّوايات عن أحمد‏:‏ تبطل صلاته ويتوضّأ، ويلزمه استئنافها، وهو قول الحسن، وعطاء، والنّخعيّ، ومكحول، واستدلّوا بحديث‏:‏ «إذا فسا أحدكم في صلاته فلينصرف فليتوضّأ وليعد الصّلاة»‏.‏

وحديث عليّ رضي الله عنه‏:‏ قال‏:‏ «بينما نحن مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نصلّي إذ انصرف ونحن قيام ثمّ أقبل ورأسه يقطر، فصلّى لنا الصّلاة ثمّ قال‏:‏ إنّي ذكرت أنّي كنت جنباً حين قمت إلى الصّلاة لم أغتسل، فمن وجد منكم في بطنه رِزّاً أو كان على مثل ما كنت عليه فلينصرف حتّى يفرغ من حاجته أو غسله، ثمّ يعود إلى صلاته»‏.‏

ولأنّه فقد شرط الصّلاة - وهو الطّهارة عن الحدث - في أثنائها على وجه لا يعود إلاّ بعد زمن طويل وعمل كثير، ففسدت صلاته، كما لو تنجّس نجاسةً يحتاج في إزالتها إلى مثل ذلك‏.‏ أو انكشفت عورته، ولم يجد السّترة إلاّ بعيدةً منه، أو تعمّد الحدث، أو انقضت مدّة المسح على الخفّين وهو في أثناء الصّلاة‏.‏

وفي رواية أخرى عن أحمد‏:‏ إن كان الحدث من السّبيلين ابتدأ الصّلاة ولا يبني، أمّا إن كان من غيرهما بنى، لأنّ نجاسة السّبيلين أغلظ، ولأنّ الأثر إنّما ورد في الخارج من غير السّبيلين فلا يلحق به ما ليس في معناه‏.‏

شروط البناء عند من يقول به

يشترط في جواز البناء‏:‏

5 - أ - كون السّبق بغير قصد منه، فلا يجوز البناء إذا أحدث عمداً، لأنّ جواز البناء ثبت معدولاً به عن القياس، للنّصّ والإجماع، فلا يلحق به إلاّ ما كان في معنى المنصوص، والمجمع عليه، والحدث العمد ليس كالحدث الّذي يسبق لأنّه ممّا يبتلى به الإنسان، فلو جعل مانعاً من البناء لأدّى إلى حرج، ولا حرج في الحدث العمد‏.‏ ولأنّ الإنسان يحتاج إلى البناء في الجمع والأعياد لإحراز الفضيلة، فنظر الشّرع له بجواز البناء صيانةً لهذه الفضيلة من الفوات عليه، وهو مستحقّ للنّظر، لحصول الحدث من غير قصد منه، وبغير اختياره بخلاف الحدث العمد، لأنّ متعمّد الحدث في الصّلاة جان، فلا يستحقّ النّظر‏.‏

ب - ألا يأتي بعد الحدث بفعل مناف للصّلاة لو لم يكن قد أحدث، إلاّ ما لا بدّ منه، فيجب عليه تقليل الأفعال وتقريب المكان بحسب الإمكان، ولا يتكلّم إلاّ ما يحتاج إليه في تحصيل الماء ونحوه‏.‏ فإن تكلّم بعد الحدث بلا حاجة إليه، أو ضحك أو أحدث حدثاً آخر عمداً، أو أكل أو شرب فلا يبني،لأنّ هذه الأفعال منافية للصّلاة في الأصل فلا يسقط المنافي للضّرورة‏.‏

عوده بعد التّطهّر إلى مصلّاه

6 - إن كان المصلّي منفرداً فانصرف وتوضّأ فهو بالخيار إن شاء أتمّ صلاته في الموضع الّذي توضّأ فيه، وإن شاء عاد إلى الموضع الّذي افتتح الصّلاة فيه، لأنّه إذا أتمّ الصّلاة حيث هو فقد سلمت صلاته عن الحركة الكثيرة لكنّه صلّى صلاةً واحدةً في مكانين‏.‏

وإن عاد إلى مصلّاه فقد أدّى جميع الصّلاة في مكان واحد ولكن مع زيادة مشي فاستوى الوجهان فيتخيّر‏.‏

وقال بعض الحنفيّة‏:‏ يصلّي في الموضع الّذي توضّأ فيه من غير خيار، وهو القول القديم للشّافعيّ‏.‏ وإن كان مقتدياً فانصرف وتوضّأ، فإن لم يفرغ إمامه من الصّلاة فعليه أن يعود، لأنّه في حكم المقتدي، ولو لم يعد وأتمّ بقيّة صلاته في مكانه لم تصحّ صلاته، لأنّه إن صلّى مقتدياً بإمامه لم يصحّ لانعدام شرط الاقتداء، وهو اتّحاد البقعة، وإن صلّى في مكانه منفرداً فسدت صلاته، لأنّ الانفراد في حال وجوب الاقتداء يفسد صلاته، لأنّ بين الصّلاتين تغايراً، وقد ترك ما كان عليه وهو الصّلاة مقتدياً، وما أدّى وهو الصّلاة منفرداً لم يوجد له ابتداءً تحريمة، وهو بعض الصّلاة، لأنّه صار منتقلاً عمّا كان فيه إلى هذا، فتبطل‏.‏

وإن كان إماماً يستخلف ثمّ يتوضّأ ويبني على صلاته‏.‏

هذا كلّه في حدث الرّفاهية ‏"‏ أي من غير ضرورة ‏"‏ أمّا الحدث الدّائم كسلس البول فلا يضرّ‏.‏ ‏(‏ر‏:‏ حدث، وعذر‏)‏‏.‏

7- أمّا ما سوى الحدث من الأسباب النّاقضة للصّلاة إذا طرأ فيها أبطل الصّلاة قطعاً، إن كان باختياره، أو طرأ بغير اختياره إذا نسب إليه تقصير، كمن مسح خفّه فانقضت المدّة في الصّلاة، أو دخل الصّلاة وهو يدافع الحدث وهو يعلم أنّه لا يقدر على التّماسك إلى انتهائها‏.‏ أمّا إذا طرأ ناقض للصّلاة لا باختياره ولا بتقصيره كمن انكشفت عورته فسترها في الحال، أو وقعت عليه نجاسة يابسة فنفضها في الحال، أو ألقى الثّوب الّذي وقعت عليه النّجاسة في الحال فصلاته صحيحة‏.‏ ‏(‏ر‏:‏ صلاة، نجاسة‏)‏‏.‏